أحمد بن محمود السيواسي
316
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
[ سورة سبإ ( 34 ) : آية 20 ] وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلاَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ( 20 ) ( وَلَقَدْ صَدَّقَ ) بالتشديد ( عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ ) بالنصب فهو مفعوله « 1 » ، أي حقق عليهم إبليس ظنه الذي ظنه فيهم ، وهو كفرهم واتباعهم له بقوله « لأضلنهم ولأغوينهم » ، وبالتخفيف ف « ظَنَّهُ » ظرفه ، أي صار صادقا في ظنه حيث خيل إليه أن بني آدم يتبعونه ، والضمير في « عَلَيْهِمْ » لأهل سبأ « 2 » ، وقيل : لكل الناس « 3 » ( فَاتَّبَعُوهُ ) أي اتبعه الناس بتزيينه ووسوسته ( إِلَّا فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) [ 20 ] وقللهم ، لأنهم قليل النسبة إلى الكفار ، والمراد جميع المؤمنين ، لأنهم لم يتبعوه في أصل الدين ، وقيل : هم المطيعون منهم « 4 » . [ سورة سبإ ( 34 ) : آية 21 ] وَما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْها فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ ( 21 ) ( وَما كانَ لَهُ ) أي لم يكن للشيطان ( عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطانٍ ) أي تسلط بالقهر سوى الوسوسة والتزيين ( إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ ) أي إلا لنظهر المؤمن ( بِالْآخِرَةِ ) ونميزه ( مِمَّنْ هُوَ مِنْها فِي شَكٍّ ) أي من الشك فيها وعلل التسليط بالعلم بقوله « إِلَّا لِنَعْلَمَ » ، والمراد ما تعلق به العلم ، أي لنميز من يصدق بالبعث من الشاك من قيام الساعة ( وَرَبُّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ ) مما يكون منهم وما كان ( حَفِيظٌ ) [ 21 ] أي عالم يحفظ أعمالهم ليجازيهم بها . [ سورة سبإ ( 34 ) : آية 22 ] قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَما لَهُمْ فِيهِما مِنْ شِرْكٍ وَما لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ ( 22 ) ( قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ ) أي قل للمشركين من قومك نادوا الذين ( زَعَمْتُمْ ) أنهم آلهتكم ( مِنْ دُونِ اللَّهِ ) فيشفعون لكم ويكشفون عنكم ما نزل بكم من القحط وهم الأصنام والملائكة الذين سميتموهم باسم اللّه فتعبدونهم كما تعبدون اللّه وتستجيبون لهم لدعائكم كما تستجيبون له تعالى ، وحذف مفعولا « زَعَمْتُمْ » الأول ضمير الموصول والثاني آلهة ، أي زعمتموهم آلهة ، قوله ( لا يَمْلِكُونَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ ) جواب لهم ، أي آلهتكم لا يملكون شيئا ما من خير وشر ( فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَما لَهُمْ ) أي للآلهة ( فِيهِما مِنْ شِرْكٍ ) أي شركة مع اللّه تعالى ( وَما لَهُ ) أي للّه تعالى ( مِنْهُمْ ) أي من آلهتكم ( مِنْ ظَهِيرٍ ) [ 22 ] أي معين يعينه على تدبير خلقه يريد أنهم عجزة عن كل شيء فلا يصح للربوبية كما يصح هو تعالى لها يكونون شركاء له تعالى . [ سورة سبإ ( 34 ) : آية 23 ] وَلا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قالُوا ما ذا قالَ رَبُّكُمْ قالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ ( 23 ) ( وَلا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ ) أي شفاعة الشافع ( عِنْدَهُ ) أي عند اللّه ( إِلَّا ) كائنة ( لِمَنْ أَذِنَ لَهُ ) قرئ معلوما ومجهولا « 5 » ، أي أذن اللّه أن يشفع لغيره أو أذن لغيره أن يشفع له أو يكون معنى « لَهُ » لأجله ، أي إلا لمن وقع الأذن للشفيع لأجله ، فاللام الثانية بمنزلة لعمرو في قولك أذن لزيد لعمرو ، أي لأجله ، قوله ( حَتَّى إِذا فُزِّعَ ) بالتشديد مجهولا ومعلوما « 6 » والفاعل اللّه ، أي كشف ( عَنْ قُلُوبِهِمْ ) يتعلق بمفهوم الكلام قبله وهو الانتظار والتوقف ، لأن « حَتَّى » غاية تدل على أن ثمة توقعا وانتظارا لإذن الشفعاء وخوفا هل يؤذن لهم أو لا يؤذن ولا يطلق الإذن إلا بعد ملي من الزمان ، أي يتوقفون خائفين زمانا حتى إذا كشف الفزع وأزيل عن قلوب الشافعين والمشفوع لهم بكلمة يتكلم بها رب العزة في إطلاق الإذن في الشفاعة ، فإذا أذن فيها فرحوا وسأل بعضهم بعضا استبشارا ( قالُوا
--> ( 1 ) « صَدَّقَ عَلَيْهِمْ » : قرأ الكوفيون بتشديد الدال ، والباقون بتخفيفها وضم هاء « عليهم » حمزة ويعقوب . البدور الزاهرة ، 260 . ( 2 ) هذا الرأي مأخوذ عن الكشاف ، 5 / 65 . ( 3 ) نقل المصنف هذا الرأي عن الكشاف ، 5 / 65 . ( 4 ) هذا الرأي مأخوذ عن البغوي ، 4 / 506 . ( 5 ) « أذن » : قرأ أبو عمرو والأخوان وخلف بضم الهمزة ، والباقون بفتحها . البدور الزاهرة ، 260 . ( 6 ) « فزع » : قرأ ابن عامر ويعقوب بفتح الفاء والزاي مشددة ، وغيرهما بضم الفاء وكسر الزاي مشددة أيضا . البدور الزاهرة ، 260 .